Beautiful baby

لاتأمن أيها الفاسد فأن غدا لناظره قريب

لاتأمن أيها الفاسد فأن غدا لناظره قريب

كتب سمير السمان

لا يوجد مجتمع في كل أنحاء الأرض يخلو من الفساد.

تلك حقيقة لا يمكن لأحد إنكارها، كما لا يمكن لأحد أن ينكر الدور والتأثير الكبير لذاك الإخطبوط الذي يضرب بأيديه في كل الاتجاهات، وما يخلفه من إحباط للنفوس العاملة بجد واجتهاد، وتدمير للقيم، التي تربى عليها الناس منذ وعيهم الأول بالحياة، ولا آثاره السلبية على أساس الدول وبنائها.

لكن المشكلة الأخطر من تلك الآثار التي يخلفها الفساد، هي في الصمت عليه، وعدم التبليغ عنه، وترك الأمر كله على الدولة، والاعتقاد بأن أي تدخل لن يفيد في تغيير دفة الأمور.

هذا التبرير الذي نقنع به أنفسنا، لم يعد يصلح الصمت عنه، فنحن بتلك العقلية نشارك الفاسدين فسادهم، ونسمح لهم بتكرار الفعلة طالما آمنوا بأن لا أحد غير الأجهزة الرقابية تراقبهم بعد أن فقدوا الإحساس والشعور بعظم مراقبة الله لهم.

الصمت وعدم الإبلاغ عن الفاسدين هو أيضاً من قبيل عدم العمل بما جاءت به السيرة الكريمة من الأمر، بتغيير المنكر، وأوضحت طرقه التي تبدأ باليد وهذه بالطبع لولاة الأمر، والثانية باللسان وهذه من نصيب من يقدر عليها، وهي متاحة الآن عبر الخطابات التي تُرسل إلى أجهزة الدولة نفسها، وفي مقدمتها هيئة مكافحة الفساد، أما الإنكار بالقلب فقط، فلا يستقيم مع الأمور، كونه يسمح بتفشي الفساد، أكثر وأكثر.

هناك حالات كثيرة اطلعت عليها أثناء مراجعتي للجهود التي تقوم بها هيئة مكافحة الفساد، لأناس أبلغوا عن أمور تتعلق بالفساد، وإن لم اطلع بالطبع على تفاصيلها أو أسماء المبلغين، كون الهيئة تفرض سياجاً كاملاً من السرية عليها، ولا تسمح حتى لو عرفت الاسم الصريح للمبلغ من التعريف به، وإنما تُخضع ما جاء في البلاغ للتحقيق، والمساءلة، لأن ما يهم هو الفساد، وحجمه ومكانه، وليس المبلغ عنه.

لست هنا في معرض الإسهاب عن آثار الفساد، وما يفعله بالأمم، ويكفي أن العالم الكبير ابن خلدون ذكر في مقدمته المشهورة، حادثة تتعلق بفرار آخر ملك لغرناطة بعد سقوطها، وهو الملقب بأبي عبدالله الصغير، والذي نزل في ضيافة ملك نصراني، فزاره الملك في خيمته، فوجده يتوسد الحرير، وبجواره كؤوس الخمر، ولما سأله عن ذلك وكيف أنها محرمة في الدين الإسلامي الذي يدين به الملك السابق، تحرج من الإجابة وقال إنه من فعل العبيد الأعاجم الذين يخدمونه وأنهم قدموا بها من بلادهم، لكنه فوجئ بالملك النصراني يقول له : لا والله لكنكم حرمتم الحلال وأحللتم الحرام، وإنها فتنة وغضب من الله، وإني أخشى على بلادي أن تُعاقب بفسادكم، وإن إكرام الضيف ثلاثة أيام، فخذوا ضيافتكم وارحلوا عن بلادي.

وحسبنا من القرآن الكريم قول الله تعالى :(فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا أُتْرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ- وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ) صدق الله العظيم..

يجب ايصال صوتك الى صاحب القرار وعدم السكوت عن الظلم في حال تعرضك له، وكل قوي هناك من هو اقوى منه والله اقوى من الجميع.

الصمت عن الفساد يزيد من فساد الفاسدين، وكما تعلمنا فإن المواطن هو المسؤول الأول عن أمن البلاد وحمايتها من أعداء الخارج، فإنه أيضاً المسؤول الأول عن حمايتها من الفساد الداخلي، وليس فقط الدولة وأجهزتها.
واخيرا لله الامر من قبل ومن بعد

شارك برأيك وأضف تعليق

Beautiful baby

أحدث التعليقات