Beautiful baby

قارئة الفنجان

قارئة الفنجان

 بقلم هدى حجاجي
جلستُ على وسادةٍ مستديرةٍ ناعمةٍ , أخذتُ أراقب عينيها الشاخصتين إلى فنجاني المقلوب أمامها على مائدة غاصت قوائمها القصيرة في سجادة سميكة متداخلة الألوان , بحذر مدَّتْ أناملها القصيرة تلتقط الفنجان. نظرت .. ونظرت وقطَّبت جبينها ثم رفعت رأسها تتأملني , امتدَّ خيط من الصمت اتصل بيننا , كنت أحاول أنْ أستقرئ الكلمات من تعابير وجهها.
هل ستقول أنى أطارد خيط دخان ؟!..
فحبيبي رأيته هناك في قصر من أعواد الغاب تحوطه أشجار عجوز على جانبي بحيرةٍ زرقاء .. داكنة .. رمادية ..
لا أذكر غير أنَّ الأكواخ المنخفضة المنتشرة في غير نظام كانت توحي بمكان ذي طابع ريفيّ خالص، وكان الغسق يغلف الأفق بضباب كثيف.
أخيرا تكلمتْ , قالت:
– قلبك مكدر لأنك تحبه!
وعاودت النظر إليَّ، انتظرتُ على مضضٍ
قالت: أراكِ معلقة بين خطي النور والظل.. تململتُ في جلستي.. لاحتْ على شفتيها ابتسامة غامضة .
في اضطراب قلت : أفصحي .
حدَّقتْ مرة أخرى في فنجاني , تلمست أناملها الناحلة خطوطا متعرجة وأخرى مستقيمة وكانت جميعها تؤدي إلى بقعة داكنة في داخل الفنجان.
بنبرة هادئة حاولت أن تجعلها عميقة أيضا استرسلت الطريق إلى هذا الكوخ.
ليس آمنا .. أذكر أن الطريق إلى الأكواخ المنخفضة كانت موحلة من كثرة تدفق المطر بغزارة في اثنائها، وأبوه الشيخ الضرير المقعد على سريرهُ الخشبي من طابقين كان طيلة الوقت يهزُّ رأسه مهمهما ولم يعلقْ حتى ولو بحرف واحدٍ على الحوار الذي دار بيننا أمس..
قطعت العرافة شرودي حين أعادت قولها بصوت حالم:
– مازلت تحبينه؟
قلت مستسلمة: لكِ ما تقولين.. كان ذلك من خمس سنوات..
أشارت بأصبعها، وأضافت ….
– مكان القلب هنا …أبيض .. رغم كونك ضيقة الأنفاس.. وأومأتُ لها براسي ..
قالت:
-حاذري ..
سألتُ : ممنْ؟
استطردتْ دون إجابة ولا تنسيق .. سألتها والقلق ينتابني..
لماذا!؟
قالت، وهي تضغط على مخارج الألفاظ:
الفتى لعوب..
كان لهاتهِ الكلمات أصداء أخرى في عقلي .. أسبوعا كاملا وأنا أدور في دوامة من الشك والحيرة منذ أن قالت لي صديقتي ..
– اليوم شاهدت خطيبك في صحبة فتاة على طريق الكورنيش
وحين تداركت أثر الموقف على نفسي رجعتُ عن قولها معللة ذلك بأنَّ التشابه الكبير بين خطيبها وذلك الشاب جعل الأمر يختلط عليها.
قلتُ للعرافة:
لا تنسى يا سيدتي أنَّ ما حدث كان مجرد…
قاطعتني مشرعة يدها:
– انتظري لتسمعي وتري .. فالفتاة القادمة من الكوخ البعيد في طرف القرية كانت تنتظره ليلتها كما كل ليلة عند الغروب متوارية بين أعواد الغاب على مقربة من دارهِ المتهالك، والشيخ لا يعلم من أمره شيئا وإنْ كان في داخله بعض الشك.
ومدت أصبعها فلم أرَ سوى بقايا بنٍّ محروقٍ في قلب الفنجان.
أحدثت في نفسي حيرة … لم أرَ ولم أحكِ لها فيما يخص هذه القادمة الغريبة.
في نفس الليلة واجهت خطيبي بما كان, حاصرته بأسئلة كثيرة, لم يفقدْ هدوءهُ المعهود، اكتفى بأْنْ قال في حزن واضح:
– الشك سيقتلك، ويقتلني.
قالت لي أمّي حين كنت صغيرة:
– الرجل معناه الخيانة، ولو كان ملاكا.
وقالت لي- ايضا- ثلاثة وعشرون عاما من الشقاء والألم هي عبوديتي في زنزانة أبيك.
قلت للعرافة في حزم ..لا يهمني يا سيدتي أنا أعرف من هي.
استمرت دون أنْ ترفع وجهها:
– قد تعرفك ..لعلها الآن تبتسم منتشية!
تأرجحت أفكاري، قلتُ في تردّدٍ:
– أوصفيها لي.
تأملتْ بعينيها خلال الخطوط المتشابكة.
أردفت: هي طويلة القامة.
قلتُ: ملامحها؟
قالت: كأنها ترتدي قناعا.
نطقتُ في شبه سخرية: لم تضيفي جديدا يا سيدتي!
هل أخطأت حين أطلعت العرافة على تفاصيل الحلم؟
سقطتُ بين تجاويف الكلمات, أخذت الحروف تتشابك وتتمدد حتى تحولت الى بوقين انغرسا في الأذن بإلحاح، صارا ينفثان دويا وطنينا قاسيا، فكرت أنْ أعود الى العرافة بعد أنْ تركتها ثانية.
لكن المرأة أفرغتْ كل ما في فنجاني، وحينما خلعت القناع عن وجه ذلك القادم، وجدتها هي من كانتْ تحدثني عنه بالأمس صديقتي.

شارك برأيك وأضف تعليق

Beautiful baby

أحدث التعليقات